ذكر في التاريخ الاسلامي والبحث التاريخي أن هنالك فترتان في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبتلقيه القرآن فترتين – الفترة المكية والفترة المدنية .
ما هي الميزات الاساسية لكل فترة من الفترتين ؟



تميزت الفترة المكية بصبغتها الخاصة بها والمختلفة كل الاختلاف عن الفترة المدنية , لانه في مكة كان الاسلام في بدايته ضعيفا ملاحقا مطاردا ومضطهدا .
لم تكن هنالك اية امكانيات لاقامة مؤسسات في مكة حيث ابتدأت الدعوة سرا لمدة ثلاث سنوات ولم ينظم حينذاك الى الاسلام الا الضعفاء من الناس والعبيد الذين حلموا بالتحرر من العبودية الظالمة .
تنزل القرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة طوال ثلاثة عشرة عام وهذه ايضا كانت فترة الاسلام في مكة والتي انقسمت الى قسمين الاول منها تمثل بفترة الدعوة السرية لمدة ثلاث سنوات والثاني تمثل بعشرة سنوات جهرية لكنها كانت سنوات بلاء ومشقة ٍ وعذاب من قبل اهل قريش الذين تعرضوا للمسلمين في جميع شؤون واشكال الحياة .
في مكة نزل القرآن على الحبيب المصطفى لاول مرة في غار حراء عام 610م واستمر بالنزول حتى عام 622م حيث تميز القرآن المكي بتخصصه بتذكير الناس باليوم الاخر وبيوم الجزاء والحساب وبأن الانسان حتما سيحاسب على افعاله وبمصير البشرية المحتم – البعث من القبور والامتثال بين يدي قيوم السموات والارض , وبكثرة ذكر الموت الذي سماه المصطفى بهادم الملذات والترهيب من النار والترغيب في الجنة . وكذلك تميز القرآن في هذه الفترة باقامة دلائل النبوة , ثم اخذ يتحداهم بأن يأتوا بمثل القرآن اذ جاء هذا التحدى باعظم ةما لديهم من الفصاحة في اللغة العربية والشعر وما شابه .
فالفترة المكية تميزت باجتهاد القرآن واجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الاختصاص والتخصص باهم علوم الدين الاسلامي – الا وهو علم العقيدة الاسلامية , والتوحيد وتقوية الايمان , فهذه كانت فترة زرع العقائد العظيمة السليمة في قلوب وعقول وذهون المؤمنين والتي عليها سيعتمد نجاح هذا الدين العظيم – فلولا نجاح هذه الفترة لفشلت الفترة المدنية وفشل مشروع الدولة الاسلامية العظمى .
في مكة تميزت الايات القرآنية والسور القرآنية باتصافها بالقصيرة , كما وانها تميزت بالسجع - أي بكونها تحمل نفس الوزن ونفس الايقاع لتجعل قارءها يتأثر كل التأثر بسماعها او تلاوتها وذلك من باب التقرب الى الله والخشوع في الامتثال بين يدي الله تعالى . فبصراحة هذه الايات والصور القصيرة الصلبة ذات المعنى المؤثر جدا كان لها دور كبير في زرع وتأسيس العقيدة الاسلامية القوية التي هزت الكون بصلابتها وعظمتها وصلابة ارادة معتقديها ومعنوياتهم . اذ قمة ما تميز به القرآن المكي هو الفاظه شديدة القرع على المسامع , حيث قذفت حروفها شرر الوعيد والسنة العذاب , فكان فيها ذكر اللاادعة وازاجرة , والصاخة والطامة والقارعة , والغاشية والواقعة , كذلك الفاظ الهجاء في فواتح السور , وكثرة فيه ذكرى القصص القرآني ومصير الامم السابقة واقامة الادلة الكونية والبراهين العقلية فمشروع الاعجاز القرآني في ايامنا هذه يتصدر كل العلوم واعجز كل العالم وهذا كله لو تمعنا قليلا نجده في خصائص القرآن المكي .
وباختصار شديد يمكننا القول بان مكة كانت مرحلة البناء والتأسيس – الاساس السليم القوي المتين – تأسيس العقيدة .
اما المدينة فهي كانت مرحلة التكملة ومرحلة الانطلاق لنشر الاسلام , اذ في المدينة تحول الاسلام من مطارد ومستضعف الى مصدر قوة عظيمة لنشره خارج المدينة المنورة ايضا . تحول مجتمع المؤمنين من مجتمع مضطهد مطارد وحكوم الى مجتمع قوي جبار باسل ناجح مسالم والى دولة راقية عريقة سمحاء عظيمة .
وحين تكونت الجماعة المؤمنة المنشودة ونجحت في امتحان العقيدة والابتلاءات وامتحانات الصبر والعذاب والضعف على ما اصابها في قريش , وهاجرت بدينها الى المدينة . فحين تكونت هذه الجماعة جاءت الايات والسور المدنية طويلة المقاطع , لتتناول احكام الاسلام وحدوده , ولمالجة القضايا التشريعية كاحكام المعاملات بين الناس وغيرها , ولتضع قواعد المجتمع الجديد , ولتحدد روابط الاسرة وصلات الافراد ببعضهم البعض ولتحدد العلاقات مع باقي الامم والدول وكذلك لتفضح المنافقين وتكشفهم على حقيقتهم , ولتجادل اهل الكتاب ولتأتيهم بالايات والبراهين لتلجم افواههم ولتثبت لهم حقيقة الامر من قبلهم ومن بعدهم وكذلك لتدعو الى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله . وهذا هو الطابع العام للقرآن المدني .
استمر تنزل القرآن في المدينة فترة عشرة أعوام منذ عام 622م وحتى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم عام 632م . ولقد تم تغيير اسم يثرب الى اسم المدينة المنورة – مدينة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
ومن يقرأ القرآن الكريم ويعي مقاصده يجد للآيات المكية خصائص ليست للآيات المدنية في وقعها ومعانيها , وإن كانت الثانية مبنية على الاولى في الاحكام والتشريع ومكملة ً لها وبأنها المرحلة المقدر لها ان تكون التالية لتلك الاولى بتقدير من الله تعالى .